الموت


    الطاغوت الذي أمرالله أن نكفر به لابي عبد الله الحجازي الشافعي باقى الجزاء السادس

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 139
    تاريخ التسجيل : 08/09/2011

    الطاغوت الذي أمرالله أن نكفر به لابي عبد الله الحجازي الشافعي باقى الجزاء السادس

    مُساهمة  Admin في الإثنين أكتوبر 03, 2011 9:16 pm

    ثم يقول الشيخ صالح آل الشيخ

    (والقول الأول –وهو أن الذي يحكم دائماً بغير شرع الله ويلزم الناس بغير شرع الله أنه كافر- هو الصحيح –عندي- وهو قول الشيخ محمد بن إبراهيم –رحمه الله- في رسالته "تحكيم القوانين" لأنه لا يصدر في الواقع من قلب قد كفر بالطاغوت، بل لا يصدر إلا ممن عظّم القانون، وعظّم الحكم بالقانون.
    الحالة الثالثة: حال المتحاكمين، يعني: الذي يذهب هو وخصمه ويتحاكمون إلى قانون، فهذا فيه تفصيل –أيضاً- وهو إن كان يريد التحاكم إلى الطاغوت، وله رغبة في ذلك، ويرى أن الحكم بذلك سائغ ولا يكرهه، فهذا كافرٌ أيضاً؛ لأنه داخل في هذه الآية، ولا تجتمع –كما قال العلماء- إرادة التحاكم إلى الطاغوت مع الإيمان بالله، بل هذا ينفي هذا، والله –جل وعلا- قال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ}.
    وأما إن كان لا يريد التحاكم ولا يرضاه، وإنما أجبر على ذلك، كما يحصل في البلاد الأخرى، من إلزامه بالحضور مع خصمه إلى قانوني أو إلى قاضٍ يحكم بالقانون، أو أنه علم أن الحق له في الشرع فرفع الأمر إلى القاضي في القانون لعلمه أنه يوافق حكم الشرع فهذا
    وبعض أهل العلم يقول: يتركه ولو كان الحق له، والله –جل وعلا- وصف المنافقين بقوله: {وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} [النور: 49] فالذي يرى أن الحق ثبت له في الشرع وما أجاز لنفسه أن يترافع إلى غير الشرع إلا لأنه يأتيه ما جعله الله –جل وعلا-له مشروعا، فهذا لا يدخل في إرادة التحاكم إلى الطاغوت فهو كاره ولكنه حاكم إلى الشرع فعلم أن الشرع يحكم له فجعل الحكم الذي عند القانوني وسيلة للوصول إلى الحق الذي ثبت له شرعاً.

    الحال الرابعة: حال الدولة التي تحكم بغير الشرع، تحكم بالقانون، فالدول التي تحكم بالقانون –أيضاً- فقد فصل الشيخ محمد بن إبراهيم الكلام في هذه المسألة في فتاويه، وخلاصة قوله: أن الكفر بالقانون فرض، وأن تحكيم القانون في الدول إن كان خفياً نادراً فالأرض أرض الإسلام، يعني: أن الدولة دولة إسلام، فيكون له حكم أمثاله من الشركيات التي تكون في الأرض، قال: "وإن كان ظاهراً فاشيا، فالدار دار كفر" يعني: الدولة دولة كفر، فيصبح الحكم على الدولة راجع إلى هذا التفصيل:
    إن كان تحكيم القانون قليلا وخفيا، فهذه لها حكم أمثالها من الدول الظالمة، أو التي لها ذنوب وعصيان ووجود بعض الشركيات في دولتها، وإن كان ظاهراً فاشياً –والظهور يضاده الخفاء، والفشو يضاده القلة- قال: "فالدار دار كفر".
    وهذا التفصيل هو الصحيح؛ لأننا نعلم أنه صار في دول الإسلام تشريعات موافقة لشرع الله جل وعلا، والعلماء في الأزمنة الأولى ما حكموا على الدار بأنها دار كفر ولا على تلك الدول بأنها دول كفرية إلا لأن الشرك له أثر في الدار، وإذ قلنا: الدار فنعني الدولة، فمتى كان التحاكم إلى الطاغوت ظاهراً فاشياً فالدولة دولة كفر، ومتى كان قليلاً خفياً أو كان قليلاً ظاهراً وينكر، فالأرض أرض إسلام، والدار دار إسلام، والدولة دولة إسلام.
    فهذا التفصيل يتضح به هذا المقام وبه تجمع بين كلام العلماء، ولا تجد مضادة بين قول عالم وعالم، ولا تشتبه المسألة إن شاء الله تعالى.)ا هـ

    ومن الواضح أن الشيخ يجيز التحاكم إلى الطاغوت عندما يحكم بالشرع كما هو الحال في قضايا الميراث والزواج والطلاق والنفقة في المحاكم المصرية الطاغوتية

    حيث يقول (الذي رفع أمره في الدعوى على خصمه إلى قاض قانوني لعلمه أن الشرع يعطيه حقه وأن القانون وافق الشرع في ذلك فهذا الأصح أيضاً –عندي – جائز) ا هـ وهذا الطاغوت يحكم بالشرع أو بغير الشرع لا يجوز التحاكم إليه لأنه طاغوت يجب الكفر به وعدم التحاكم إليه لقوله تعالي{وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} يعني: أن يكفروا بالطاغوت ذاته وبالتشريع الشركي الذي يحكم به وهو ما قاله الشيخ صالح بعد ذلك مخالفا كلامه هذا حيث قال في قوله تعالي : {وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} يعني: أن يكفروا بالطاغوت، وأن يكفروا بكل تحاكم إلى غير شرع الله –جل وعلا- فالأمر بالكفر بالتحاكم إلى الطاغوت أمر واجب، ومن إفراد التوحيد، ومن إفراد تعظيم الله –جل وعلا- في ربوبيته وكما عرف بن القيم الطاغوت فقال أن من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول فقد حكم الطاغوت وتحاكم إليه )ا هـ
    وكما قال الشيخ: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
    فإن التحاكم ليس إلا إلى كتاب الله وسنة رسوله، ومن كان يحكم بهما . فمن حاكم إلى غيرهما فقد تجاوز به حده، وخرج عما شرعه الله ورسوله) ا هـ
    وللعلم أن هذا الطاغوت الذي حكٌم الشرع في قضيه بعينها ما حكٌم الشرع إلا لأنه لم يجد عنده شيء خير من الشرع ولان الدستور الطاغوتي هو الذي أذن له في ذلك لا لان الله هو الذي أمر به
    وحيث أن الحكم عبادة لقوله تعالي (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40) [يوسف/40، 41])
    ولا تجوز لطاغوت لأنه بالتحاكم للطاغوت تصبح شركا كما قال تعالي (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26) [الكهف/26، 27]

    لذلك لابد أن يكون القاضي مسلم (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ [المائدة-95]) وأن يحكم بكتاب الله(يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26) [ص/26)وكما قال تعالي( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ [المائدة/49] و يقول القاضي شهاب الدين إبراهيم بن عبد الله المعروف ب(ابن أبي الدم)المتوفى سنة642 في كتاب أدب القاضي اوالدرر المنظومات في الاقضية والحكومات
    شرائط القضاء عشرة الإسلام والحرية والذكورية والتكليف والعدالة والبصر والسمع والنطق والكتابة والعلم بالأحكام الشرعية
    واحترزنا بالإسلام والحرية والذكورية والتكليف عن الكافر والعبد والمرأة والصبي فهؤلاء ليسوا من أهل القضاء ولو لم تنعقد ولايتهم ولا أحكامهم والمكاتب في معني العبد والمجنون في معني الصبي
    واحترزنا بالعدالة عن الفاسق فلا تصح ولايته ولا ينفذ حكمه ولا يقبل قولة فعدم قبول حكمه اولي
    واحترزنا بالبصر عن العمى فلا يصح تقليده القضاء علي المذهب الصحيح واحترزنا بالسمع عن الأصم
    ويقول ابن الهمام السكندري ج7 ص251 في كتاب شرح القدير
    يشترط في من يتولي القضاء شرائط الشهادة لان حكم القضاء يستقي من حكم الشهادة لان كل واحد منهما من باب الولاية

    وقد قال الشيخ حمد بن عتيق النجدي (إذا كان هذا ــ يعني التحاكم إلى الطاغوت ــ كفراً. والنزاع إنما يكون لأجل الدنيا، فكيف يجوز أن تَكْفُر لأجل ذلك؟، فإنه لا يؤمن أحد حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وحتى يكون الرسول أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين، فلو ذهبت دنياك كلها لما جاز لك المحاكمة إلى الطاغوت لأجلها، ولو اضطرك أحد وخيرك بين أن تحاكم إلى الطاغوت أو تبذل دنياك لوجب عليك البذل ولم يَجُز لك المحاكمة للطاغوت، والله أعلم.) من (الدرر السنية في الأجوبة النجدية ـ جـ 8 ــ كتاب المرتد ــ صـ 273).
    والمسألة الاخري هي كون القاضي حكم مرة أو ألف مرة بالقوانين والتشريعات الوضعية فهو طاغوت والمتحاكم إليه مشرك عبد غير الله لان الحكم عبادة و العبادة لغير الله شرك مرة أو أكثر أما الحالة التي هي معصية والتي يكون القاضي مسلم يحكم بالشرع لكن في هذه المرة لم يحكم بالشرع ولم يحكم بالقانون المخالف للشرع ولم يسقط حد من حدود الله لكنه كما يقال حفظ القضية وتناساها ودهوسها ولم يحكم فيها بشرع أخر يكون ظالم مثال النوع الذي يختلف فيه قصة القاضي الظالم، بلال بن أبي بردة وأنه أول قاض جار في القضاء وقصته نقلها من كتاب "الأوائل" لأبي بكر بن أبي شيبة (ت235هـ) حيث قال:
    "وأول قاض جار في القضاء بلال بن أبي بردة، أخبرنا أبو أحمد بإسناده أن رجلاً قدَّم إلى بلال رجلاً في دَينٍ له عليه، فأقر الرجل به، وكان بلال يُعنى بالرجل، فقال المدعي: يعطيني حقي أو تحبسه بإقراره، قال القاضي إنه مفلس قال: لم يذكر إفلاسه، قال: ما حاجته إلى ذكره وأنا عارف به؟؟
    فإن شئت أحبسه، فالتزم نفقة عياله، فانصرف الرجل وترك خصمه وكان بلال معروفاً بالجَور"

    أما المسألة الأخيرة وهي قوله وأما إن كان لا يريد التحاكم ولا يرضاه، وإنما أجبر على ذلك، كما يحصل في البلاد الأخرى، من إلزامه بالحضور مع خصمه إلى قانوني أو إلى قاضٍ يحكم بالقانون ا هـ نقول له هذا ليس ممن أراد التحاكم لان الذي رفع القضية الأول هو الذي أراد التحاكم أما الأخر فإنه دافع عن نفسه كما قال يوسف عليه السلام ({قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي} [يوسف: 26] وكما قال إخوته (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73))يوسف73 فهناك فرق بين التحاكم وبين الدفاع عن النفس أما من يتفق مع خصمه علي أن يذهبا إلي طاغوت يحكم بينهما ففي هذه الحال يكفر الخصمان كما في القصة السابقة وقال الشعبي: "كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه عرف أنه لا يأخذ الرشوة، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود، لعلمه أنهم يأخذون الرشوة، فاتفقا أن يأتيا كاهنا في جهينة فيتحاكما إليه فنزلت: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ} ا هـ
    وجاء في كتاب تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد
    الشيخ : سليمان بن عبد الله آل الشيخ دراسة وتحقيق:زهير الشاويش
    الناشر:المكتب الاسلامي، بيروت، دمشق
    الأولى، 1423ه-/2002م
    باب قول اللّه تعالى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً … } (60) [النساء: 60].

    ش: لما كان التوحيد الذي هو معنى شهادة أن لا إله إلا اللّه مشتملاً على الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم مستلزمًا له، وذلك هو الشهادتان، ولهذا جعلهما النبي صلى الله عليه وسلم ركنًا واحدًا في قوله: "بني الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدًا رسول اللّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا" نبه في هذا الباب على ما تضمنه التوحيد، واستلزمه من تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم في موارد النّزاع، إذ هذا هو مقتضى شهادة أن لا إله إلا اللّه، ولازمها الذي لا بد منه لكل مؤمن، فإن من عرف أن لا إله إلا اللّه، فلا بد من الانقياد لحكم اللّه والتسليم لأمره الذي جاء من عنده على يد رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
    فمن شهد أن لا إله إلا اللّه، ثم عدل إلى تحكيم غير الرسول صلى الله عليه وسلم في موارد النّزاع، فقد كذب في شهادته.
    وإن شئت قلت: لما كان التوحيد مبنيًا على الشهادتين، إذ لا تنفك إحداهما عن الأخرى لتلازمهما، وكان ما تقدم من هذا الكتاب في معنى شهادة أن لا إله إلا اللّه التي تتضمن حق اللّه على عباده، نبه في هذا الباب على معنى شهادة أن محمدًا رسول اللّه، التي تتضمن حق الرسول صلى الله عليه وسلم فإنها تتضمن أنه عبد لا يعبد، ورسول صادق لا يكذب، بل يطاع ويتبع، لأنه المبلغ عن اللّه تعالى. فله عليه الصلاة والسلام منصب الرسالة، والتبليغ عن اللّه، والحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، إذ هو لا يحكم إلا بحكم اللّه ومحبته على النفس، والأهل والمال والوطن، وليس له من الإلهية شيء، بل هو عبد اللّه ورسوله كما قال تعالى: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19)} [الجن: 19] وقال صلى الله عليه وسلم: "إنما أنا عبد فقولوا عبد اللّه ورسوله".ومن لوازم ذلك متابعته وتحكيمه في موارد النّزاع، وترك التحاكم إلى غيره، كالمنافقين الذين يدعون الإيمان به، ويتحاكمون إلى غيره، وبهذا يتحقق العبد بكمال التوحيد وكمال المتابعة، وذلك هو كمال سعادته، وهو معنى الشهادتين.
    إذا تبين هذا فمعنى الآية المترجم لها: أن اللّه تبارك وتعالى أنكر على من يدعي الإيمان بما أنزل اللّه على رسوله، وعلى الأنبياء قبله، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب اللّه وسنة رسوله، كما ذكر المصنف في سبب نزولها. قال ابن القيم: والطاغوت: كل من تعدى به حده من الطغيان وهو مجاوزة الحد، فكل ما تحاكم إليه متنازعان غير كتاب اللّه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهو طاغوت إذ قد تعدى به حده. ومن هذا كل من عبد شيئًا دون اللّه فإنما عبد الطاغوت، وجاوز بمعبوده حده فأعطاه العبادة التي لا تنبغي له، كما أن من دعا إلى تحكيم غير اللّه تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فقد دعا إلى تحكيم الطاغوت. وتعلل تصديره سبحانه الآية منكرًا لهذا التحكيم على من زعم أنه قد آمن بما أنزله اللّه على رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى من قبله ثم هو مع ذلك يدعو إلى تحكيم غير اللّه ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويتحاكم إليه عند النّزاع وفي ضمن قوله: يزعمون نفي لما زعموه من الإيمان، ولهذا لم يقل: ألم تر إلى الذين آمنوا، فإنهم لو كانوا من أهل الإيمان حقيقة لم يريدوا أن يتحاكموا إلى غير اللّه تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. ولم يقل فيهم يزعمون فإن هذا إنما يقال غالبًا لمن ادعى دعوى هو فيها كاذب، أو منَزل منْزلة الكاذب، لمخالفته لموجبها وعمله بما ينافيها. قال ابن كثير: والآية ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل وهو المراد بالطاغوت ههنا.

    وقوله تعالى:{وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ}[النساء: 60] .أي بالطاغوت وهو دليل على أن التحاكم إلى الطاغوت مناف للإيمان مضاد له، فلا يصح الإيمان إلا بالكفر به، وترك التحاكم إليه فمن لم يكفر بالطاغوت لم يؤمن باللّه.
    وقوله:{وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً}[النساء: 60] .
    أي: لأن إرادة التحاكم إلى غير كتاب اللّه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من طاعة الشيطان، وهو إنما يدعو أحزابه ليكونوا من أصحاب السعير. وفي الآية دليل على أن ترك التحاكم إلى الطاغوت، الذي هو ما سوىالكتاب والسنة من الفرائض وأن التحاكم إليه غير مؤمن بل ولا مسلم.اهـ
    وقوله تعالى:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً}.
    أي: إذا دُعوا إلى التحاكم إلى ما أنزل اللّه وإلى الرسول أعرضوا إعراضًا مستكبرين كما قال تعالى:{وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ}2 قال ابن القيم: هذا دليل على أن من دعي إلى تحكيم الكتاب والسنة، فلم يقبل، وأبى ذلك أنه من المنافقين. ويصدون هنا لازم لا متعد، وهو بمعنى يعرضون، لا بمعنى يمنعون غيرهم، ولهذا أتى مصدره على صدوداً، ومصدر المتعدي صدًّا. فإذا كان المعرض عن ذلك قد حكم اللّه سبحانه بنفاقهم، فكيف بمن ازداد إلى إعراضه منع الناس من تحكيم الكتاب والسنة، والتحاكم إليهما بقوله وعمله وتصانيفه؟! ثم يزعم مع ذلك أنه إنما أراد الإحسان والتوفيق؛ الإحسان في فعله ذلك، والتوفيق بين الطاغوت الذي حكمه، وبين الكتاب والسنة.
    قلت: وهذا حال كثير ممن يدعي العلم والإيمان في هذه الأزمان، إذا قيل لهم: تعالوا نتحاكم إلى ما أنزل اللّه وإلى الرسول رأيتهم يصدون وهم مستكبرون، ويعتذرون أنهم لا يعرفون ذلك، ولا يعقلون، بل لعنهم اللّه بكفرهم فقليلاً ما يؤمنون.

    وقوله تعالى:{فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}.قال ابن كثير: أي: فكيف بهم إذا ساقتهم المقادير إليك في المصائب بسبب ذنوبهم، واحتاجوا إليك في ذلك. وقال ابن القيم قيل: المصيبة فضيحتهم إذا أنزل القرآن بحالهم، ولا ريب أن هذا أعظم المصيبة والإضرار فالمصائب التي تصيبهم بما قدمت أيديهم في أبدانهم وقلوبهم وأديانهم بسبب مخالفة الرسول عليه الصلاة والسلام، أعظمها مصائب القلب والدين، فيرى المعروف منكرًا، والهدى ضلالاً، والرشاد غيًّا، والحق باطلاً، والصلاح فسادًا، وهذا من المصيبة التي أصيب بها في قلبه، وهو الطبع الذي أوجبه مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم وتحكيم غيره، قال سفيان الثوري في قوله:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ}1. قال: هي أن تطبع على قلوبهم.
    وقوله تعالى:{ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً}.
    قال ابن كثير: أي: يعتذرون ويحلفون إن أردنا بذهابنا إلى غيرك إلا الإحسان والتوفيق، أي: المداراة والمصانعة. وقال غيره: إلا إحسانًا، أي: لا إساءة، وتوفيقًا، أي: بين الخصمين، ولم نرد مخالفة لك، ولا تسخطًا لحكمك.

    قلت: فإذا كان هذا حال المنافقين يعتذرون عن أمرهم، ويلبسونه لئلا يظن أنهم قصدوا المخالفة لحكم النبي صلى الله عليه وسلم أو التسخط، فكيف بمن يصرح بما كان المنافقون يضمرونه حتى يزعم أنه من حكم الكتاب والسنة في موارد النّزاع، فهو إما كافر وإما مبتدع ضال!؟ وفعل المنافقين الذي ذكره اللّه عنهم في هذه الآية هو بعينه الذي يفعله المحرفون للكلم عن مواضعه الذين يقولون: إنما قصدنا التوفيق بين القواطع العقلية بزعمهم التي هي الفلسفة والكلام، وبين الأدلة النقلية، ثم يجعلون الفلسفة التي هي سفاهة وضلالة الأصل، ويردون بها ما أنزل اللّه على رسوله من الكتاب والحكمة، زعموا أن ذلك يخالف الفلسفة التي يسمونها القواطع، فتطلبوا له وجوه التأويلات البعيدة، وحملوه على شواذ اللغة التي لا تكاد تعرف.
    وقوله تعالى:{أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ}.قال ابن كثير: أي: هذا الضرب من الناس هم المنافقون، واللّه أعلم بما في قلوبهم، وسيجزيهم على ذلك، فإنه لا تخفى عليه خافية، فاكتف به يا محمد فيهم، فإنه عالم ببواطنهم وظواهرهم.)ا هـ
    وقال أيضا ص310

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء نوفمبر 14, 2018 6:50 am