الموت


    الطاغوت الذي أمرالله أن نكفر به لابي عبد الله الحجازي الشافعي باقى الجزاء السادس

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 139
    تاريخ التسجيل : 08/09/2011

    الطاغوت الذي أمرالله أن نكفر به لابي عبد الله الحجازي الشافعي باقى الجزاء السادس

    مُساهمة  Admin في الإثنين أكتوبر 03, 2011 9:09 pm

    إذا قلنا: أمة الدعوة فلا شك أن هناك من أمة الدعوة –وهم جميع الجن والإنس- من عبد الأوثان، واستمر على عبادتها، بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يرض ببعثه، ولم يقبل ذلك.
    وإذا قلنا: إن المراد بالأمة أمة الإجابة، يعني، أن من أجاب الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته تتقادم بهم العهود، حتى يرتدوا على أدبارهم، ويتركوا دينهم، كما جاء في بابٍ سلف في أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم الغلو في الصالحين، لكن الظاهر هنا قوله: "بعض هذه الأمة يعبد الأوثان" يعني: به أمة الإجابة في أنهم يتركون دينهم، ويتوجهون إلى الأوثان ويعبدونها.
    و"الأوثان" جمع وثن، والوثن هو كل شيء توجه إليه الناس بالعبادة، إما بأن يدعوه مع الله –جل وعلا- أو أن يستغيثوا به، أو أن يعتقدوا فيه أنه

    ينفع ويضر بدون إذن الله –جل وعلا- أو أنه يُرجى رجاء العبادة، ويخاف منه كخوف الله –جل وعلا- أي خوف السر، ونحو ذلك من التوجهات، والعبادات، فمن اعتقد فيه شيء من ذلك فهو وثن من الأوثان، وقد يكون راضياً بتلك العبادة، وقد لا يكون راضياً.
    والوثن ليس هو المصَوَّر على شكل صورة، بل الصنم هو ما كان على شكل صورة- كما سبق أن ذكرنا- فالفرق بين الأوثان والأصنام: أن الأصنام هي الآلهة التي صورت على شكل صورة، كأن جعل لنبي من الأنبياء صورة يعبدها، أو يجعل لرجل من الرجال –كبوذا ونحوه- صورة ويسجد لها، ويعبدها، فهذه تسمى أصناماً، وأما الأوثان فهي الأشياء المعبودة أيّا كانت، فقد تكون جداراً، أو قبراً، ا, رجلاً ميتاً، أو صفة من الصفات يتخذها معبودة من دون الله. فكل ما توجّه إليه العباد بنوع من أنواع العبادة فهو وثن من الأوثان.
    قوله: وقول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [النساء: 51]. الجبت: اسم عام لكل ما فيه مخالفة لأمر الله –جل وعلا- وأمر رسوله –صلى الله عليه وسلم- في الاعتقاد، فقد يكون الجبت سحراً، وهذا هو الذي فسر به كثير من السلف الجبت، وقد يكون الجبت: الكاهن، وقد يكون الجبت الشيء المرذول الذي يضر صاحبه.
    قوله: {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} يعني: يؤمنون بالسحر، ويؤمنون بالباطل، وبعبادة غير الله جل وعلا. ويؤمنون بـ{َالطَّاغُوتِ} والطاغوت: مشتق من الطغيان، وهو مجاوزة الحد، فالطاغية هو الذي تجاوز الحد في أمر الدين، بأن جعل ما لله له، ولهذا يُعرف ابن القيم –رحمه الله- الطاغوت بأنه: "كل ما تجاوز به العبد حده من معبود، أو متبوع، أو مطاع".

    ومعنى مجاوزة العبد به حده: أنه تعدى حد ذلك الشيء الذي توجه إليه، وهو الحد الذي لم يأذن به الشرع مجاوزته له، فتوجهه إليه بالعبادة، أو اعتقاده فيه بعض خصائص الإلهية من أنه يغيثه كيف ما شاء، ومن أنه يملك غوثه، ويملك الشفاعة له، أو أن يغفر له، وأن يعطيه، ويملك أن يقربه إلى الله –جل وعلا- ونحو ذلك مما لا يملكه المعبودون، فإن كل ذلك مجاوزته بذلك المتخذ عن الحد الذي جُعل له في الشرع.
    فهذا معنى مجاوزة الحد في المعبودين، والمقصود بقوله: "أو متبوع" مثل العلماء، والقادة في أمر الدين، ومعنى مجاوزة الحد فيهم: أنهم صاروا يتبعون في كل ما قالوا، وإن أحلّوا لهم الحرام، وحرموا الحلال، أو جعلوا لهم السنة بدعة، والبدعة سنة، وهم يعلمون أصل الدين، ولكنهم خالفوا لأجل ما قال فلان، فإن هذا قد تُجُوِّز به حده، فإن حد المتبوع في الدين أن يكون آمراً بما أمر به الشرع، ناهياً عما نهى عنه الشرع. فإذا أحل الحرام، أو أحرم الحلال فإنه يعتبر طاغوتاً، ومن اتبعه فإنه يكون قد تجاوز به حده، وقد أقرّ بأنه طاغوت، واتخذه كذلك.
    وقوله: "أو مطاع" يشمل الأمراء والملوك، والحكام، والرؤساء، الذين يأمرون بالحرام فيطاعون، ويأمرون بتحريم الحلال فيطاعون في ذلك مع علم المطيع بما أمر الله –جل وعلا- به فهؤلاء اتخذوهم طواغيت؛ لأنهم جاوزوا بهم حدهم. فهذا شرح لمعنى ما ذكره الإمام ابن القيم –رحمه الله- من تعريف الطاغوت.
    وقوله في الآية المتقدمة: {َالطَّاغُوتِ} يدخل فيه كل هذه الأنواع، أي الذين عبدوا، والذين اتبعوا، والذين أطيعوا.

    ووجه مناسبة هذه الآية للباب: أن الإيمان بالجبت والطاغوت حصل ووقع من الذين أوتوا نصيباً من الكتاب من اليهود والنصارى، وإذا كان قد وقع منهم فسيقع في هذه الأمة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن ما وقع في الأمم قبلنا سيقع في هذه الأمة، كما قال في حديث أبي سعيد الآتي: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه" فمثل بشيء صغير، وهو دخول حجر الضب –الذي لا يمكن أن يفعل- تنبيها على أن ما هو أعلى من ذلك سيقع من هذه الأمة، كما وقع من الأمم قبلنا.
    وقد حصل –كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم- فإن من هذه الأمة من آمن بالسحر، ومنهم من آمن بعبادة غير الله، ومنهم من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله، فكانوا بذلك متبعين سنن من كان قبلهم، وحصل منهم إيمان بالجبت والطاغوت كما حصل من الأمم قبلهم.

    "وقوله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} [المائدة: 60]". على هذه القراءة {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} يكون الطاغوت مفعول (عبد) و(عبد) فعلا معطوفا على قوله: (لعن) كأنه قال: بتقديم وتأخير: من لعنه الله ومن عبد الطاغوت. ووجه الاستشهاد من الآية: أن عبادة الطاغوت وقعت في أولئك الملعونين، وبما أن ما وقع في الأمم السالفة بخبر النبي صلى الله عليه وسلم سيقع في هذه الأمة، فإننا نعلم أن في هذه الأمة من سيعبد الطاغوت كما عبدها أولئك، وعبادة الطاغوت عامة –كما ذكرنا- يدخل فيها عبادة الأوثان من عبادة القبور، وتأليه أصحابها، والتوسل بهم إلى الله –جل وعلا- والاستشفاع بهم إلى الله –جل وعلا- أو طلب الشفاعة منهم، ونحو ذلك من الوسائل الشركية، أو ما هو من الشرك الأكبر، فحصلت عبادة الأوثان من القبور، ومن المشاهد، ومن الأشجار ومن الأحجار، ونحو ذلك مما اعتقد فيه الجهلة الذين تركوا دين محمد عليه الصلاة والسلام.
    باب قول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً} [النساء: 60-62]

    وقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} [البقرة: 11] وقوله: {وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56]
    وقوله: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50]
    وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به"
    قال النووي: "حديث صحيح رويناه في كتاب "الحجة" بإسناد صحيح"..وقال الشعبي: "كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه عرف أنه لا يأخذ الرشوة، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود، لعلمه أنهم يأخذون الرشوة، فاتفقا أن يأتيا كاهنا في جهينة فيتحاكما إليه فنزلت: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ} الآية".
    وقيل: "نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافع إلى النبي –صلى الله عليه وسلم، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف، ثم ترافعا إلى عمر، فذكر له أحدهما القصة، فقال للذي لم يرض برسول الله صلى الله عليه وسلم: أكذلك؟ قال: نعم، فضربه بالسيف فقتله
    فيه مسائل:
    الأولى: تفسير آية النساء وما فيها من الإعانة على معرفة فهم الطاغوت.
    الثانية: تفسير آية البقرة: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ} الآية.
    الثالثة: تفسير آية الأعراف: : {وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا}.
    الرابعة: تفسير: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ}.
    الخامسة: ما قال الشعبي في سبب نزول الآية الأولى.
    السادسة: تفسير الإيمان الصادق والكاذب.
    السابعة: قصة عمر مع المنافق.

    الثامنة: كون الإيمان لا يحصل لأحد حتى يكون هواه تبعا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.
    الشرح:
    هذا الباب من الأبواب العظيمة المهمة في هذا الكتاب، وذلك لأن إفراد الله –جل وعلا- بالوحدانية في ربوبيته وفي إلهيته يتضمن ويقتضي ويستلزم –جميعا- أن يفرد في الحكم، فكما أنه –جل وعلا- لا حكم إلا حكمه في ملكوته،فكذلك يجب أن يكون لا حكم إلا حكمه فيما يتخاصم فيه الناس، وفي الفصل بينهم، فالله –جل وعلا- هو الحَكَم، وإليه الحكم سبحانه، قال جال وعلا: {فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ} [غافر: 12] وقال جل وعلا: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [الأنعام: 57] فتوحيد الله –جل وعلا- في الطاعة وتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله لا يكون إلا بأن يكون العباد محكِّمين لما أنزل الله –جل وعلا- على رسوله. فترك تحكيم ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم بحكم الجاهلية، أو بحكم القوانين، أو بحكم سواليف البادية، أو بكل حكم مخالف لحكم الله –جل وعلا- هذا من الكفر الأكبر بالله –جل جلاله- ومما يناقض كلمة التوحيد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
    ص -425- وقد عقد الشيخ –رحمه الله- هذا الباب ليبين أن الحكم بما أنزل الله فرض، وأن ترك الحكم بما أنزل الله وتحكيم غير ما أنزل الله في شؤون المتخاصمين وتنزيل ذلك منزلة القرآن أن ذلك شرك أكبر بالله -جل وعلا- وكفر مخرج من ملة الإسلام.
    قال الإمام محمد بن إبراهيم –رحمه الله- في أول رسالته "تحكيم القوانين": إن من الكفر الأكبر المستبين، تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين، ليكون حكماً بين العالمين، مناقضة ومحادة لما نزل من رب العالمين. انتهى كلامه بمعناه.

    فلا شك أن إفراد الله بالطاعة، وإفراده بالحكم، وتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، كل ذلك يقتضي ألا يُحكم إلا بشرعه، فلهذا كان الحكم بالقوانين الوضعية، أو الحكم بسواليف البادية من الكفر الأكبر بالله جل وعلا لقوله تعالى في هذه الآية: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} [النساء: 60]
    فمناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد ظاهرة جلية، وهي أن التحاكم إلى غير شرع الله قدح في أصل التوحيد، وأن الحكم بشرع الله واجب، وأن تحكيم القوانين أو سواليف البادية أو أمور الجاهلية مناف لشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله؛ فإن من مقتضيات شهادة أن محمدا رسول اله أن يطاع فيما أمر، وأن يصدق فيما أخبر، وأن يجتنب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع.فالحكم بين المتخاصمين لا بد أن يرجع فيه إلى حكم من خلق المتخاصمين، ومن خلق الأرض والسماوات، فالحكم الكوني القدري لله –جل وعلا- وكذلك الحكم الشرعي لله –جل وعلا- فيجب ألا يكون بين العباد إلا تحكيم أمر الله –جل وعلا- فإن ذلك هو حقيقة التوحيد في طاعة الله –جل وعلا- في مسائل التخاصم بين الخلق.
    "باب قول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} [النساء: 60]"
    فقوله: {يَزْعُمُون} يدل على أنهم كذبة، فلا يجتمع الإيمان مع إرادة الحكم والتحاكم إلى الطاغوت.

    قوله: {يُرِيدُونَ} هذا ضابط مهم، وشرط في نفي أصل الإيمان عمن تحاكم إلى الطاغوت، فإن من تحاكم إلى الطاغوت قد يكون بإرادته –وهي الطواعية والاختيار والرغبة في ذلك وعدم الكراهة- وقد يكون بغير إرادته، بأن يكون مجبراً على ذلك، وليس له في ذلك اختيار، وهو كاره لذلك، فالأول هو الذي ينتفي عنه الإيمان، إذ لا يجتمع الإيمان بالله وبما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، وما أنزل من قبله مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت، فالإرادة شرط، لأن الله –جل وعلا- جعلها في مساق الشرط، فقال: {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} و{أَنْ يَتَحَاكَمُوا} هذا مصدر، يعني: يريدون التحاكم إلى الطاغوت، والطاغوت: اسم لكل ما تجاوز به العبد حده من متبوع، أو معبود، أو مطاع، كما تقدم بيانه.
    قوله: {وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} يعني: أن يكفروا بالطاغوت، وأن يكفروا بكل تحاكم إلى غير شرع الله –جل وعلا- فالأمر بالكفر بالتحاكم إلى الطاغوت أمر واجب، ومن إفراد التوحيد، ومن إفراد تعظيم الله –جل وعلا- في ربوبيته، فمن تحاكم إلى الطاغوت بإرادته، فقد انتفى عنه الإيمان أصلاً كما دلت عليه الآية.
    {وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً} دل ذلك على أن هذا من وحي الشيطان، ومن تسويله.
    وقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} [البقرة: 11] الإفساد في الأرض: الإشراك بالله، وبتحكيم غير شرع الله، فالأرض إصلاحها بالشريعة والتوحيد، وإفسادها بالشرك بأنواعه الذي منه الشرك في الطاعة؛ ولهذا ساق الشيخ هذه الآية تحت هذا الباب، لأجل أن يبين لك أن صلاح الأرض بالتوحيد الذي منه إفراد الله –جل وعلا- بالطاعة، وأن لا يحاكم إلا إلى شرعه، وأنّ إفساد الأرض بالشرك الذي منه أن يُجعل حكم غير الله –جل وعلا- جائز التحاكم إليه.

    وهذه الآية ظاهرة في أن من خصال المنافقين أنهم يسعون في الشرك وفي مسائله وأفراده، ويقولون: إنما نحن مصلحون وفي الحقيقة أنهم المفسدون ولكن لا يشعرون؛ لأنهم إذا أرادوا الشرك ورَغِبوا فيه وحاكموا وتحاكموا إلى غير شرع اله فإن ذلك هو الفساد والسعي فيه سعي في الإفساد.وقوله: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] وحكم الجاهلية هو أن يحكم بعضهم على بعض، بأن يسن البشر شريعة فيجعلونها حَكَماً، والله –جل وعلا- هو الذي خلق العباد، وهو أعلم بما يصلحهم، وما فيه العدل في الفضل بين الناس في أقضيتهم وخصوماتهم، فمن حاكم إلى شرائع الجاهلية فقد حكّم البشر، ومعنى ذلك أنه اتخذه مطاعاً من دون الله، أو جعله شريكاً لله –جل وعلا- في عبادة الطاعة، والواجب أن يجعل العبد حكمه وتحاكمه إلى الله –جل وعلا- دون ما سواه، وأن يعتقد أن حكم الله –جل وعلا- هو أحسن الأحكام، {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً} [الأنعام: 114] {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} فدل على أن حكم غيره إنما هو –كما قال طائفة- زبالة أذهان ونحاتة أفكار لا تساوي شيئاً عند من عقل تصرف الله –جل وعلا- في ملكه وملكوته، وأن ليس ثَمَّ حكم إلا حكم الرب جل وعلا.
    وهذه المسألة –أعني مسألة التحاكم إلى غير شرع الله- من المسائل التي يقع فيها خلط كثير، خاصة عند الشباب في هذه البلاد وفي غيرها، وهي من أسباب تفرق المسلمين؛ لأن نظر الناس فيها لم يكن واحدا، والواجب أن يتحرى طالب العلم ما دلت عليه الأدلة وما بيّن العلماء من معاني تلك الأدلة وما فقهوه من أصول الشرع والتوحيد وما بينوه في تلك المسائل.ومن أوجه الخلط في ذلك: أنهم جعلوا المسألة –مسألة الحكم والتحاكم- واحدة، يعني: جعلوها صورة واحدة، وهي متعددة الصور.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء نوفمبر 14, 2018 6:50 am